دروس القوي للضعيف ..!!
يقول أهل الرقائق: إن إسماعيل - عليه السلام - قال لأبيه عندما أراد ذبحه تنفيذا لأمر الله (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) فصبر… بينما قال موسى - عليه السلام - للخضر: (ستجدني إن شاء الله صابرا) أفرد نفسه.. فما صبر..!! وإسماعيل - عليه السلام - هضم نفسه وأدخلها في جماعة الصابرين… !!!
والله سبحانه يُذكّر عبده دائما بأن يهضم نفسه، ويبرأ من حوله وقوته .. ويلجأ إلى حول الله وقوته .. ويرد الفضل إليه وحده .. فهو صاحبه الأول والآخر…!!
وقع لي في رحلتي الرمضانية الأخيرة لكندا أمر عجيب طريف..!!
فقد تيسرت – ولله الحمد- الختمة القرآنية من أول الشهر لآخره.. وبقي أن نقرأ بقصار السور لندعو في ركعات الوتر في ليلة التاسع والعشرين من رمضان المبارك.. ولما قرأت بسورة الناس.. إذ بي أقرأ… (قل أعوذ برب الناس.. ملك الناس.. إله الناس.. من شر الوسواس الخناس.. الذي يوسوس في صدور الناس) وأركع.. الله أكبر …!! وقد سمعت همهمة خلفي لم أدرك سببها… وبعد الوتر والدعاء.. فوجئت بالتفاف الإخوة حولي وكلهم يتساءل مستغربا أني لم أقرأ الآية الأخيرة من القرآن… حتى قال بعضهم… لعلك أجلتها لرمضان القادم..؟؟!!
فسألت الآخر والثالث… فإذا الجواب واحد… فوقع هذا المعنى في نفسي .. أن الإنسان ضعيف .. مسكين.. لا يفعل فعلا إلا بتوفيق الله وتيسيره… ولو شاء الله له .. لم يذكر أقصر الآيات وبديهها.. فالحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا…!!
وذكّرني هذا بما في صحيح البخاري - رحمه الله – أنه كانت ناقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسمى العضباء، وكانت لا تُسبق..!! فجاء أعرابي على قعود له – أي: جمل صغير- فسبقها..!!
فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سبقت العضباء…!!
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه)..!!
حتى يبقى في فكر العبد أن الفاعل على الحقيقة هو الله .. وليست قوة الأشياء وحكمة أصحابها واجتهاداتهم… ورحم الله قول الأول:
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
أعجب كثيرا عندما أسمع قائلا يتحدث عن إنجازاته.. دراسته .. بنائه لبيته.. دخله الشهري والسنوي.. جوائزه… أولاده… تزويجه لبناته وأبنائه… ولا يكاد يرد أمرا منها لله…!! وهو الرازق وهو الميسر وهو الحافظ القوي الفعال لما يريد… سبحانه – جل في علاه-…
يذكرني هذا بقصة سمعتها عن أخ كان يريد أن يقرأ بالناس في صلاة التهجد بسورة (ق)، واستحضر ما فيها من وعد ووعيد وتخويف وتهديد فقال في نفسه: لأبكين القوم اليوم - لا سيما - أنها من أكثر السور تمكينا في ذاكرته..!
ولما افتتح الفاتحة واختتمها قرأ: (ق) وسكت.. فقال الناس: (والقرآن) فقال (والقرآن) فقالوا: (المجيد) فقال: (المجيد) فقالوا: (بل عجبوا) فقال (بل عجبوا)…!! وعجبا ما الذي حصل؟؟!! يقول: أنسيت السورة كأنها لم تمر بي!!… فلملمت أمري وركعت.. فلما سجدت استحضرت السورة كأنها أمامي… فقلت: إيه.. الآن أقرأ بها ولأرينهم …!! فلما قمت للثانية وافتتحت بعد الفاتحة .. (ق)..- طار الحفظ…-!! فقال المصلون: (والقرآن) فقلت: (والقرآن).. قالوا: (المجيد) وهكذا .. فقرأت بسورة الإخلاص… وسألت الله الإخلاص… وركعت خجلا من نفسي .. معترفا بضعفي ومسكنتي… !!
ولم ينته المشهد عند ذلك.. ليقوم إليه بعد الصلاة حاج كبير في السن: فقال يا شيخ.. نحن أخرجناك بصعوبة من (ق) فرجعت في الركعة الثانية لتقرأ بها؟؟؟؟!!!
كثيرا ما تتحدث في تخصصك وما تتقنه من أشياء فتضل و تنسى .. فيبعث الله من ليس متخصصا.. بل - ربما - طفلا صغيرا فيصوبك.. لتعلم أن الواهب هو الله .. فتعرف حدك…!!وصلى الله على سيدنا موسى الذي هيأ الله له تلك الرحلة العجيبة مع الخضر ليقول له: إنه قد يكون في الأرض من هو أعلم منك… - مع أنه كليم الله وحبيب الله - … وإن الذي يهب من لدنه العلم هو الله سبحانه.. (وعلمناه من لدنا علما)…!!
وتجد القرآن الكريم يكرر هذا المعنى في كثير جدا من آيات الله المثبتة لصحة الاعتقاد (ما أصابك من حسنة فمن الله) (وما بكم من نعمة فمن الله) (فإليه تجأرون) (بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه وتنسون ما تشركون).. ولنقرأ ما في يوسف - عليه السلام - وسورته من ذلك الشيء الكثير.. (وكذلك يجتبيك ربك..) (كذلك كدنا ليوسف..) .. فما كان منه إلا أن قال: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث .. فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين..)
ولقد فطن لذلك (د. جاري ميللر) ذلك الأستاذ الجامعي الكندي الذي أراد دراسة القرآن الكريم لمحاربته فما كان منه إلا أن أسلم..!! فقال: هذا القرآن مذهل.. !! تجد القادة يعظمون انتصاراتهم الهزيلة ويهونون هزائمهم النكراء.. لكن القرآن إذا أصيب المسلمون في موقعة واساهم وذكرهم بقدر الله وضرورة الالتفاف حول أمره ونهيه.. وإذا حالفهم النصر حذرهم من البطر.. وذكرهم بأنه الناصر والمعين.. (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله..) (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا …)
وأنا وأنت إذا تأملنا فيما وفقنا إليه في أي من أمور حياتنا وجدنا مردها كلها لله.. فالعقل من الله.. والهداية به إلى أحسن الأشياء من الله… وقوة الجسم من الله… والذاكرة من الله .. والصوت من الله… وقبول الناس لك من الله… والأولاد هبة من الله … والرزق من الله… سبحانه وتعالى…
لكم يؤثر فيّ دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أسمعه يقول: إذا أوى إلى فراشه: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا.. فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي"…
إي وربي.. الحمد لله..!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
ثقافة,
عام,
غير مصنف,
مدونات |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 9:12 ص
بارك الله لك في نفسك و بارك لك في أولادك وجمعنا و إياكم في دنياه عند المسجد الأقصى و في آخرته عند حوض الرسول صلى الله عليه و سلم و في جنته في الفردوس الأعلى عند عرش الرحمن
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 9:45 ص
أحسن الله إليك ، وتقبل منك
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 10:19 ص
هذه المعاني الإيمانية العميقة هي أكثر ما يحتاجه كثير من المسلمين، جزاك الله خيراً، وأرجو أن تكثر منها.
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 11:19 ص
بارك الله فيك ونفع بك
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 12:14 م
هشام من الجسر
والله صدقت ياشيخ، اذكر هذه الواقعة(الناس) كانها امس،
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 3:57 م
احسنت … ولو سألت كل واحد لحدثك بقصة حدثت له لتدكرة بهذا المعنى
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 4:14 م
احسنت… فكثير من الناس اوهموا بأنفسهم ولا حول ولا قوة الا بالله…
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 7:53 م
بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذي الكريم ..
عندما أسقط ادراجاتك الرائعة في واقع حياتي وأنقلها صورة حية للآخرين ,أعرَف بكم على أن استاذي ,أنت لم تعلمي كأستاذ إلا في ورشة عمل لمدة 3ساعات لتأهيل المعلمات في جمعية المحافظة على القرآن الكريم كان عنوان على ما أذكرالمقامات الصوتية لتحسين آداء تلاوة القرآن الكريم
وذلك ما عاذ الله ليس استخفافاًبأن ما كنت معلمي إلا في ذاك اليوم فلا تدري كم فتحت تلك الورشة لي من آفاق أحمده سبحانه واشكرك وأدعو لك بظهر الغيب.. لكن يشرفني أن أقول لك أنت علمتني كيف الصدق مع الله يكون..
وفي كل ادراج تتحفنا به تذكرنا بجراح غائرة لواقع تعاملنا مع الآخرين فكلما شعرنا باليأس والقنوط أرسل الله إلينا جنداً من جنوده وهو د.أنور ليذكرنا بأن “لا تقنطوا من روح الله”
لك منا دعوة بظهر الغيب أن يجري الله الخير على يديك أينما كنت
أكتوبر 1st, 2009 at 1 أكتوبر 2009 11:24 م
بارك الله فيك ووفقك
ما اكثر ما ننسى نعم الله علينا
يسر الله لك
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 8:23 ص
د أنور
أشكر الله أن وفقنى لتلك المدونة الكريمة …و النبيلة بمافيها من معان رشيدة
أحييك على ماكتبت..وكماستفدت مما بها و تعلمت
…
القوة من الله ..و منه التوفيق
زلذلك نحمد الله بعد كل عمل و نستغفره لأن التقصير من أمر أنفسنا
تحياتى لشخصكم الكريم
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 8:25 ص
جمعة مباركة ان شاء الله تعالى
عمل مرفوع ودعاء مسموع
تقبل الله منكم ووفقكم للمزيد من الخيرات و العلم النافع
تحيتى
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 8:34 ص
أرجو أن تكون هذه المدونةعلى رأس المدونات التى تعم بها الفائدة ان شاء الله تعالى
جزاكم الله خيرا
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 10:13 ص
و عسى أن نكون من أهل { الحمد لله } حقاً و صدقاً .
جمعة مباركة أخي دكتور أنور .
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 2:44 م
جزاك الله خيراً وبارك الله فبك وبعلمك أيها الرجل المبارك
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 6:15 م
جزاك الله خيرا كثيرا على هذه المعاني الرائعة فقد كنت حقا بحاجة لقراءتها.
و أستأذنك في إرسال مقالك إلى أحبتي مع الإشارة للمصدر ليعم النفع بها
بارك الله بك و حماك من فتنة النفس و الهوى
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 8:52 م
معان جميلة
قلما ينتبه لها الناس
الا من وفقه الله للتأمل
وموضوع جميل يستحق
اقبال القراء للتعليق والثناء
فتح الله عليك
أكتوبر 3rd, 2009 at 3 أكتوبر 2009 8:18 م
لا فض فوك سيدي
والله لقد ارجعت نفسي الى حدها
انار الله بصيرتك ووفقك لما يحبه ويرضاه
اللهم زده علما وبركة في العمر
اللهم امين
أكتوبر 4th, 2009 at 4 أكتوبر 2009 2:44 ص
كيف لي أن أشيد في هذا المقال ؟ أكثر مما أشادوا !!
أكتوبر 4th, 2009 at 4 أكتوبر 2009 10:48 ص
أخي الحبيب فتح الله عليك ونور قلبك بنوره فأكثر ما أشتمه من كلامك العذب رائحة الصدق وتدفقها من قلبك الصادق للقلب المتعطش بكل يسر وعذوبة
أكتوبر 4th, 2009 at 4 أكتوبر 2009 4:21 م
بارك الله قيك يا دكتور انور وبفتخر اني كنت احد طلابك في جامعه الزرقاء الاهليه .
أكتوبر 4th, 2009 at 4 أكتوبر 2009 5:36 م
هناك لقيا …
عندها سوف نفرح سويا بالاحباب و …
ويرق بذلك الفؤاد وتدمع لأجله العين وكما أننا قرأنا أو سمعنا منك شيئا جميلا وطيبا وهذا نهجك يمنة الله عليك له الحمد أن يسمعك ما تحبه من حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
أكتوبر 7th, 2009 at 7 أكتوبر 2009 3:38 ص
روائع تتحفنا بها دائما
ومنارات تأبى إلا ان تضعها لنا في طريق ظللته الظلمات
نعم هي ارادة الله دائما فوق كل الإرادات
الحمد لله رب العالمين
حفظكم الله
أكتوبر 10th, 2009 at 10 أكتوبر 2009 10:22 م
بارك الله فيك على هذه الإطلالة و سدد الله خطاك ………………أخوك في الله حمودا بشير من الجزائر و لتواصل إليك بريدي الإلكتروني:
BACHIR-37@MAKTOOB.COM
أكتوبر 18th, 2009 at 18 أكتوبر 2009 7:51 م
جزاك الله خير استاذي الفاضل
أكتوبر 19th, 2009 at 19 أكتوبر 2009 10:10 ص
بارك الله فيك استاذي الفاضل
وجزاك الله كل خير
ديسمبر 1st, 2009 at 1 ديسمبر 2009 6:22 ص
” لا حول ولا قوة إلا بالله ” كنز من كنوز الجنة فهي تنسب دائما القوة والحول لله تعالى ، وفي كل أمر تريد إنجازه جرب أن تقولها وأنظر كيف يكون الأمر سهلاً بإذنه تعالى